المسافة
قريت مرة، أن على الإنسان وهو يسير في مدينته إدراك تأثير أبسط الأساليب المعمارية والتخطيطية على حياته وهندسة أفكاره وتشكيل علاقاته وصياغة كلماته!
جازت لي الفكرة.. وقررت أمشي وأرى أين وكيف تأثرت.. وما عرفت وين أمشي.. ووين ابدأ، المفروض بحارتنا؟ المفروض في مكان ألفته ومريت به كل يوم، لكن طريقي طريق السيارات؛ بعيدة عن الناس والأرض.. مسافات أقطعها ولا أصل. لم أقابل جارًا، تجنبتهم وتجنبوني. لم أصل بقدميّ لشي، فقدُّت السيارة في مدينة تبعدني، مسافات لا أصل بها لأحد، وتخطيط يؤكد العزلة حتى التراب نُفي من أرضه. مسافات حتى تصل للبر ومسافات حتى تتلاقى العيون. ولا تصل.
امش، ابتعد، حاول الإقتراب، ستجد نفسك بكل الحالات عالق بين أبعاد خلقتها الحياة المدنية، مسافات تعدت الكيلو مترات والأميال، مسافة مهما ابتعدت فأنت لم تبتعد كفاية، وإذا اقتربت فأنت لم تقترب كفاية! كيف حصل هذا؟! دعونا نذهب الى البداية، حيث تبدأ المسافة، وأسال نفسك، كيف تباعدنا هكذا؟ وهل يمكن إزالة هذه المسافات من الأساس؟ وحين تحاول الإجابة على هذا السؤال احذر من أمامك السور!
السور
أليست هذه الأحياء والبيوت جهودًا حقيقة لولوج العالم الحديث من أوسع أبوابه؟ فهنا أحدث التطورات والتقنيات في البناء، وهنا بنية تحتية ضمن ما يتطلبه العصر. فأين المشكلة؛ المشكلة هي أن التحديث يجب أن يكون نتيجة الحداثة، لا أن يقفز ويتعداها. فالتحديث عملية مادية توظّف التقنية الحديثة، أما الحداثة مفهوم وفكر يُعنى بدراسة المعرفة والإنسان، فإذا تجاوزنا مفهوم الحداثة، استوردنا أحدث التطورات دون مراعاة أبعادها؛ مثلما نراعي السياق الاجتماعي بالسور ولكن تفوتنا تبعاته، تفوتنا وطأته، يفوتنا كيف أصبحت المدينة قلاع وحصون مشيّدة، يتأهب الإنسان لمواجهتها بمنجنيقه! مدينة مجردة من المكان والزمان، سور وراء سور يحجب الإنسان عن الآخر وشارع وراء شارع يحجب الإنسان عن ترابه! أسوار تحجب النور، بيوت مصمتة لا تحس بها مرور الزمن، خارج المكان والزمان، أيناسب هذا مسلما يصلي خمس صلوات هي عليه كتابًا موقوتًا!
هل لدينا هوية معمارية؟ فقد أعلن عن مشاريع كبرى مثل بوابة الدرعية تتجسد بها هوية معمارية مميزة. ولكن ألا تشعر أنها هوية للتاريخ؟ كأنك في متحف لا في مدينة.. فالهوية لا يجب أن تسكن الماضي. ولكنها مرآة زمانها وناسها وأرضها، تتناغم معهم وتلبي احتياجاتهم، وتنمو معهم وتأخذ وقتها، لم تكن المدينة يومًا مشروعًا وليد فترة زمنية قصيرة بمنأى عن ساكنيه إلا في هذا الزمان.. ربما تكون هنا الإشكالية؟
هناك إشكالية كبيرة تواجهها الشخصية المعمارية في المدينة السعودية، فحتى هذه اللحظة لا يمكن أن نقول إن هناك هوية معمارية سعودية، على الرغم أننا نملك تراثًا معماريًا عميقًا! «مدن الإسمنت» هي محصلة لرسملة المدينة وتحويلها إلى سلعة تُباع وتُشترى، المدن السعودية تفتقد للهوية المعمارية، مجهدة ومنهكة لا تعمل على راحة من يسكنها، تزيد من التشتت الذهني ولا تصنع السعادة، تزيد من الضغط النفسي ولا تحث على التواصل الاجتماعي.
— د. مشاري عبد اللّٰه النعيم
الباب
دعونا نواجه هذه الأبواب الحديدية.. ربما تكون محاولة الفهم مواجهة نلج بها عمارتنا وأنفسنا..
أبواب عالية وكأنها صممت لعملاق يدخل ويخرج منها، ولدى هذا الباب الحديدي الضخم بيبان صغرى تقاسمك حياتك، تجدها وكأنها تبحث عنك من الأساس، حتى أصبحت تشبيهًا لغويًا ومعنويًا نستخدمه في كل يوم، ومنها أصبحنا نحدد «ما وراها» و«ما بعدها» وأصبحنا نقسّم ونثبّت بالمسامير هذا التقسيم، وإذا خُلعت شاهد هذا التعري الوجودي الذي يحدث. فراغ.
ما هو السكن أصلًا؟ ولماذا كل هذه الهالة حوله؟ السكن يتجاوز المفهوم المادي للعمارة والبناء؛ حيث أنه أنس وتفاعل مع البيئة، ومع الآخر، ومعنى يفهم به الإنسان وجوده. فأنا لا أسكن منزلي وحسب، ولكن أنتمي إلى هذا المكان، وأتفاعل وأفهم به ومعه سياقي الاجتماعي والثقافي والروحي، وأعرّف به هويتي. فهو كما يقول هايدغر؛ ترجمة مادية لعلاقة الإنسان بالوجود؛ فكل مبنى له تعبير وجودي لفهمنا للمكان والزمان.
نحن لا نسكن لأننا بنينا، بل نبني لأننا نسكن.
— مارتن هايدغر
الحاجز
حواجز.. هكذا أحسست تأثير هذه العمارة والشوارع التي مشيتها على حاجز تخطيطي نفاني عن أرضي حتى اغتربت عن النفود والشجر والوادي والجبل. وحواجز إسمنتية تبعدني عن الناس والجيران والعيون! أشعر بغربة عندما أخرج في الفضاء وأمشي في شوارع ليست لي؛ شوارع لم تصمم لي ولم تراعِ وجودي! وبين أناس لم آلفهم ولم تجمعنا الشوارع صدفة، في مدينتي لا تؤدي الطرق لمركزها، الطرق تفترق، تتقاطع، لكنها لا تلتقي!
لكنها بيوت واسعة، وأسوار عالية، صممت لي، لأستقر بها وأسكن، وأحتمي، هنا وجدت هويتي وإجاباتي.. بين الحواجز. فأنا اعتدت الجدران، وأتساءل لو أن حياتي المحتومة ضمن السياق الاجتماعي هي هذه الجدران الأربع.