دوامك، حارتك، مدينتك، المشهد الثقافي من حولك، مجتمعك، النزاعات المحيطة بك، وكل ما يعترض سيرك اليومي، منذ أن تفتح عينيك حتى تغلقها. عوالم تبدو غير مترابطة لكن لا يمكنك تفكيكها إلا حينما تكون فعّالًا مع العالم أو بالأحرى في داخله، كما أنه لا يمكننا أن نفهم عبدالمجيد الزهراني إلّا من خلالها.
العالم بطبيعته متعدد ومتشعب، لا يقبل الأحادية والتبسيط، ومليء بالهوامش التي تتلاعب بمراكزها وتعيش في تخومها، معقدة ومركبة، تحتاج دائمًا إلى أعين تفكك هذا التشابك من داخله. أعين تراقب وتتأمل وتغوص في هذه الهوامش. والعين التي نقصدها هنا قدمها عبدالمجيد، بقصائد تُرى لا تُقرأ.
كتب عبدالمجيد قصائدًا من داخل العالم، وخارج المفاهيم التقليدية مثل البلاغة والوصف والقوالب والبحور الشعرية. فكيف نفهم من قصائد الزهراني أن تكتب قصيدة من داخل هذا العالم؟
الشخوص في قصيدة عبدالمجيد ليست شخصيات متخيلة أو مثلًا عليا، وليست في فضاءات خارجه عنا لا نشعر بها، إذ أنه يقوم بتناول شخصيات واقعية موجودة في الفضاءات المتعددة مثل الحياة المدنية، الوظيفية، والاجتماعية. كما أنه يعيد تشكيل هذا الواقع من جديد في قصيدته، ليسهم في تكوين خطابٍ مغاير يعيد النظر للأشياء بطريقة مختلفة عن السائد/المركز.
يجعل عبدالمجيد الجميع في عين واحدة يرون من خلالها حتى ما لم يروه، عين أخرجها من جسده وأعطانا هي، ويقحمهم شعوريًا في عمق ظروف زمانية ومكانية ربما لم يعشها قارئ قصيدته؛ ليخرج منها القارئ وهو متورّط باتخاذ موقف إزاء هذا العالم. يقوم بذلك لأن تحدي المركز يتطلب قصيدة ملتزمة بموقعها من العالم، بظروفه وهمومه وأزماته.
وفي سياق تشكيله للواقع، ينظر عبدالمجيد إلى مفاهيم الهامش بطريقة أخرى، ويصنع من هذا الهامش (جوهرًا ومضمونًا وشكلًا) هذه العين التي نقصدها. يتناول في قصيدته ميادين ومواضيع تتسق فكريًا وإبداعيًا معه، مثل روتين وملل الحياة، كآبة المدن، الشوارع، الفقر، العزوبية، والجنون.
الهامش مفهوم يكسر القاعدة ويعبث بها. لذلك تجد تعريف عبدالمجيد عن ذاته في نتاجه كاملًا بأنه «شاعر الدشير»، وينتمي إلى كل من سأل نفسه: إلى من أنتمي؟ لم يأتِ هذا التعريف عن الذات من شطحة فقط، بل بعدما ذهب بالدشير وجميع الشخوص والهويات التي تطرق لها إلى مساحات تعبيرية مختلفة، ونظر لهم من الداخل ليعيد تعريفهم وفق الآليات والمفاهيم والقيم التي ينتهجونها.
من هم الدشير؟ اللّي تلقاهم يمشون في الشارع آخر الليل.
بطاقة تعريف: عبدالمجيد كائن متعدد في مواضيعه وهوياته، لما يحمله الهامش من تعددية بعكس احادية المركز. موقع عبدالمجيد في العالم هو موقع قصيدته، وتتحرك قصيدته في مساره اليومي الطبيعي. عبدالمجيد الزهراني شاعر مشتبك دائمًا، ويتقاطع مع التركيب الهوياتي المعقد، القبلي، الوطني، والعروبي. لا يتخذ موقعًا انعزاليًا من العالم، ولذلك «يتصل» من فندق الشاهين على بغداد مباشرةً:
كيف يفعل عبدالمجيد كل هذا؟ في البداية، الصدق. ثم التشعّب، تشعّب الواقع، الذاكرة، الهوية، الناس، المكان، والزمان. وأخيرًا، الإلتزام، أي اتخاذ موقف رغم التشققات والقروح التي تسبب بها المواجهة الصادقة لتشعّب «هذا العالم».
جسد يتقاطع فيه الهامش من كل مكان.