N/R · ٠٤
البث متصل

← سجل الإشارات NWR-٠٠٢

غلاف المصدر / إطار كامل غلاف المقال من إنستغرام الناي والراعي

محمد بن لعبون

لمحة من تاريخ العبث والتجريب في الشعر النبطي

الصوت
تركي الزهراني، ناصر الحربي
التاريخ
٢٨ مايو ٢٠٢٦
الإصدار
أرشيف

مرت القصيدة النبطية في دورات تجديد عديدة، إذ لم تكن الحركة التجديدية في عصرنا الحالي الأولى من نوعها. تشكلت هذه الدورات بمزيج من الذوق الجمعي لمجتمعات الجزيرة والإحساس الذاتي للشعراء أنفسهم، الذين بقدر ما تبدلوا بتحولات مجتمعاتهم كانت لهم عبقريتهم الإبداعية ليستوعبوا ويغيّروا من خلالها واقعهم الجديد. ومن بين هؤلاء الشعراء: محمد بن لعبون.

تنويه لتجربة أفضل: نعتمد في هذا النص على أسلوب كتابة متشعّب يجمع بين متن تحليلي وهامش سردي-تخيّلي لا يقل أهمية عنه (هاجوس ابن لعبون). ننصح بقراءة المتن كاملًا حتى نهاية النص، ثم العودة إلى الهوامش.


عاش محمد بن لعبون بين عاميّ ١٢٠٥هـ و١٢٤٧هـ، هاجر خلالها من ثادق إلى الزبير، ونفي في آواخر حياته من الزبير إلى الكويت بأمر ابن زهير، حاكمها وأميرها. كان شاعرًا منذ وجوده في ثادق، لكن في الزبير مارس التجريب والعبث في بنية وأسلوب ووظيفة القصيدة، ومزج بينها وبين أجناسٍ شعبية أخرى مثل الغناء والموسيقى والشعر الشعبي في جنوب العراق.

مضى نصف حياته في الزبير متأثرًا ومؤثرًا في تعقيداتها الاجتماعية والسياسية، كان تارةً شاعرًا قبليًا يدافع عن ربعه آل مدلج وآل راشد وآل زهير، وأخرى يعبر عن مواقفه الذاتية مراوغًا بقصائده البنية القرابية لمجتمعه. أحبَّ فيها ميّ (هيلة الموسى)، وتزوج من أخرى وتغزّل بأخريات، وترافقه طقاقته فريجة ليغنيان أشعاره سويًا.

ياميّ وقتي تقضى هيك ياذروة العنصر الزاكي

لم يلتزم ابن لعبون بالتقاليد السائدة في الشعر النبطي، وتحديدًا في بنية ولغة وأسلوب القصيدة. لربما أن التماس اللغوي والثقافي الذي شهده محمد في الزبير ألهمه بأن اللغة والأدب عناصر متغيّرة ومتنوعة، وليست معطى ثابت في كل الأحوال. أتاح ذلك له مسافة يرى فيها ما اعتاد بمنظور ما تعرّض له من أجناسٍ مغايرة في فضاءه الجديد، مسافة جرّب ونوّع ومزج وبدّل بها قصيدته النبطية، وفتح لها أفاقًا جديدة.

وظّف ابن لعبون لهجات ولغات متعددة في قصائده، مثل الفارسية ولهجات خليجية وبصريّة ونجدية متنوعة. ويبدو أنه لم يوظّف مجرد كلمات من لهجات، بل تشرّب النسق الثقافي الذي يقف خلفها لأنه عاش بين مجتمعاتها، وخرج منها ببنية أسلوبية مختلفة. كما أن مجتمع «اللهو» والغناء الذي التصق به جعله يمزج الإبداع الأدبي بالموسيقي، لينشئ تراكيبًا أغنى تلائم روح الإيقاعات والألحان التي حملت بها «فريجة» قصائده.

اسايل حجار الدار عن نزل حيها ولا جابني ملتم الاحجار بسوالي اسأل الصدى ياللعجب هل لهم تالي؟ قال الصدى: ياللعجب هل لهم تالي؟

وعاش ابن لعبون علاقةً متوترة مع مجتمعه رغم الخلفية النخبوية التي أتى منها (أسرة علمية)، وترامى بين تصنيفات تراه شاعرًا يحمل مكانة عالية لدفاعه سياسيًا عن الأسر التي ينتمي لها، ويتقرب له الآخرون لصفته هذه، وأخرى تراه مجرد ماجنٍ يقضي وقته في اللهو والبطالة والتغزّل بالنساء وتجمعات الطرب، ويأخذ مكانته عبر «تسليته» لنخب الزبير.

هذه التصنيفات أتت من حِملهِ النجدي الثقيل. يحاكم عبر «النسب» و«العلم»، في آن الوقت الذي يميل به إلى جماعات الطرب الزبيرية التي اكتشفها مؤخرًا؛ إذ مر بتوتر هوياتي وفضاء ثقافي متقلب بين ما أتى معه من ثادق وما وجده في الزبير، بالإضافة لتوتره النفسي والعاطفيّ مع ميّ.

ولربما أن ما سبق جعله يأتي بتعبيرات اجتماعية ودينية ووجدانية وجنسانية مختلفة لم تعتاد في القصيدة النبطية، مثل أن الأواصر القرابية أضعف مما نتوقع، وتمني موته وهو في بطن والدته، والوصف الإيروسي للحياة التي يعيشها «عوّاد» خادم ميّ المقرّب.


امك وابوك وكل ذيك القرابات محدٍ يسد السيل عنك بعباته

وله أشعار مشهورة عند العامة، نرجو الله أن يُسَامحه.

— حمد بن لعبون

دار الخدم والكرم والضيف دار المناعير معروفه دار العجب والطرب والكيف والأنس والفن ودفوفه
خف القطين وحين قوضن الأحباب هبت لنا من نسمة الشرق هبه حامل هواها القلب في ليل الأتعاب حملٍ ثقيل ومدري وين اباذبّه

وابن لعبون يخاطب الناس بما يحسون به في شؤون حياتهم بوحي بها بلا تكلف ولا اجهاد وكأن شعره مرآة مصقولة يرى فيها كل إنسان نفسه.

— خالد الفرج، مجلة البيان ١٩٦٦

وفي هذا الطاعون مات رئيس الزبير علي بن يوسف الزهير وفيه أيضًا توفي الشاعر المشهور محمد بن حمد بن محمد ابن لعبون المدلجي الوايلي، مات في بلد الكويت، وكان شعره جيدًا، إلا أن فيه تخبيط في العقيدة، وقيل أنه أنشأ قصيدة تاب فيها وتضرّع إلى الله.

— عثمان ابن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد ١٩٨٣

هكذا كان مطلع قصيدة التوبة لبن لعبون، كما امتلأت بتعابير الاستغفار والإنابة والندم. يأتي الهوى في قصائد التوبة على وجهٍ خجول، يستتر ويتغطى عن ماضيه الحرج، لكنه ظهر في توبة ابن لعبون واضحًا وصريحًا، نرى من خلاله ابن لعبون الإنسان لا الأسطورة، بتديّنه ولهوه وكل مركّبات هويته.

كل شيٍ غير ربك والعمل لو تزخرف لك مردّه للزوال

إن هذا الكم من التفكيك والتوليد والابتكار في الشعر النبطي نقله إلى مرحلة جديدة. أنتجت التجربة اللعبونية فنونًا إيقاعية مثل «اللعبوني» و«الخمّاري»، ومزجته بأجناس شعرية أخرى مثل «الزهيريات»، وخرّجت كمًّا لا يستهان به من الشعراء والمغنين المتأثرين بها، الذين فتحوا بدورهم آفاقًا للشعر والغناء النبطي.


خمّاري عوده المهنا. يعدّ الخمّاري من الفنون اللعبونية. لعبوني في ألحانه وإيقاعاته وقصائده. ينتثر ابن لعبون في زواياه ولو لم تعد تصدح به «فريجة» ويؤدى على طيرانها أو يغنى من أشعاره. تغني عودة المهنا أبياتًا لناصر عيسى المقهوى:

شالراي باللي سبى الحال وادعى النواظر تهلّي دمعي على الخد همّال كني غريقٍ مولّي تسعين ليلة بذا الحال نوم الملا ما حصلّي

لا يمكن أن نحيل هذه التجربة لقراءته للشعر الفصيح وتعلّمه للكتابة فقط كما فعل ذلك الكثير، إذ توفرت لدى شعراء مثل جبر بن سيّار ورميزان بن غشّام ولم يكونوا مجددين، كما توفرت لدى مجددين مثل محسن الهزّاني والقاضي وعبدالحي، بيد أن تجديد ابن لعبون فريد من نوعه، كان بنيويًا يشمل كافة عناصر القصيدة لا جزءًا منها، وكان أكثر جرأةً على «العبث والتجريب» في مكوناتها.

تجربة التجديد اللعبونية مثل أي تجربة تجديد نبطية أخرى. معقدة وتقاطعية، عائمة بين الفردي والجمعي، وتأتي عندما يشعر الإنسان أن «السائد» لم يعد كافيًا لمقاومة الواقع أو معبرًا عن الجسد الاجتماعي والثقافي.

إشارة ختامية

لا شك أن محمد بن لعبون مثّل انعطافة مهمة للتجديد في الشعر النبطي، غير أن دوافع هذا التجديد وسياقاته ظلت محل اختلاف. ومن هنا، تقدّم هذه القراءة تصورًا مختلفًا لتجربته؛ تضيء على دوافع التجديد لديه وارتباطها بالمشهد الأوسع، وتتجاوز إهمال الباحثين لحركات التجديد ولدور التجربة اللعبونية في تطور القصيدة النبطية. ورغم انشغالنا بالشعر النبطي الحداثي، نلتفت إلى تجربة ابن لعبون، المولود في القرن الثامن عشر، لكونها حالة تحكي أن مسألة «العبث والتجريب» ليست حكرًا على الحداثة، بل نزعة قديمة تكررت في تجارب عديدة لدى شعراء النبط. وفي (ملفّات) نتناول التجارب الثقافية بأسلوب بحثي موسّع، نعيد من خلاله النظر في مساراتها، بوصفها قضايا لم تحسم بعد.

١٠

المصادر

  1. ابن بشر، عثمان بن عبدالله. عنوان المجد في تاريخ نجد. ط٤، جـ٢. تحقيق: عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ. الرياض: دارة الملك عبدالعزيز، ١٩٨٣.
  2. بابا، هومي ك. موقع الثقافة. ترجمة ثائر ديب. ط١. القاهرة: المشروع القومي للترجمة، ٢٠٠٤.
  3. بن لعبون، عبدالعزيز بن عبدالله. أمير شعراء النبط محمد بن لعبون: سيرته ودراسة في شعره. الرياض: دار ابن لعبون، ١٩٩٧.
  4. بن لعبون، حمد بن محمد. تاريخ حمد بن محمد بن لعبون. ط٢. الطائف: دار المعارف، ١٩٨٨.
  5. بنيامين، والتر. «حول مفهوم التاريخ». ترجمة أميرة المصري. القاهرة: دار هن، ٢٠٢٠.
  6. الصويان، سعد عبدالله. الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص. ط١. بيروت: دار الساقي، ٢٠٠٠.
  7. الظاهري، أبو عبدالرحمن بن عقيل. ابن لعبون: حياته وشعره. الكويت: جائزة البابطين، ١٩٩٧.
  8. الواصل، أحمد. تغنّي الأرض: أرشيف النهضة وذاكرة الحداثة. ط٢. بيروت: منشورات ضفاف، ٢٠١٤.
  9. الفرج، خالد بن محمد. «إبن لعبون متنبي النبط». مجلة البيان، العدد ٧، ١٩٦٦.
  10. الكرملي، انستاس ماري. ديوان شعراء نجد. مخطوط. المتحف الوطني العراقي، بغداد. رقم ١٧١١١.
٠٢

فريق الإشارة

كتابة
تركي الزهراني، ناصر الحربي
تصميم
وله الحويل