تُناقش العزوبية عالميًا باعتبارها مؤثرة على عوامل الخصوبة والاستقرار النفسي للأفراد. لكن في السياق السعودي كان النقاش لدواعي أخرى، إذ تناولها الإعلام والمجتمع في المملكة بوصفها معضلة عالقة في الميدان الاجتماعي والاقتصادي، لما تسببه من إشكاليات في الفضاء العام والإسكان والمنظومة العائلية، وبلا حلول جذرية لها.
واجه العزّاب في فترات سابقة الضغوطات بسبب التصورات الاجتماعية تجاههم. فكرة «العزوبية» واستقلالية الفرد دون رقابة عائلية فكرة حديثة في الوعي الجمعي السعودي، وهذا الانزياح عن المعايير جعل المجتمع يمارس نوعًا من الإقصاء تجاه هؤلاء الأفراد؛ لعدم وجود دور واضح لهم داخل النمط الاجتماعي السائد، وتجلّى ذلك في الواقع اليومي للعزوبي.
لم يتوقف تمثيل هذه الإشكالية عند الخطاب الرسمي، وامتدت حتى الخطابات الشعبية. تناول الشعر النبطي-الشعبي الحديث «العزوبية» باعتبارها حالة اغتراب وجودي واشتباك مع السلطة الاجتماعية.
أبيات من قصائد عبدالمجيد الزهراني، الذي اتخذ من تجربة العزوبي موقعًا يعبّر به عن الذات المهمشة.
إذا ألقيت نظرةً سريعة على نمط حياة العزّابي في فترة التسعينات وبداية الألفية، ستلاحظ الهالة المجتمعية التي يصنعها المجتمع حوله، باعتباره شخصًا سريع الإنزلاق في «دوائر الدشرة». هذه الصورة تكونت بوجود ممارسات من سلطة أبوية تنطلق من العائلة نحو المجتمع. وتتمظهر ثقافيًا حول ما يشاع عن نمط حياة العزوبي والرؤية السلبية نحو الفرد المستقل اجتماعيًا.
أنت رجل في مقتبل العمر، لديك مايكفيك من الطموحات والأحلام، واستطعت الحصول على وظيفة لكن خارج منطقتك، تذهب وتبدأ برحلة البحث عن سكن، ثم تصطدم بالجملة المشهورة «ما نسكن عزّاب»، وتكرر المحاولة على أمل التخلص من تلك الجملة ولكن لا جدوى. يساق بك نحو «الإستراحات والعِزب» المليئة برفاقك العزّاب من كل مكان، فتتسع الهالة السلبية حول العزابي ونمط معيشته، ويضاف لها في كل تصرف أو حركة وصف سلبي جديد.
في ذات السياق، الذاكرة الشعبية محملة بتصورات ثقافية سلبية حول العيش الفردي والاستقلال. نتجت تارةً عن التهديد المحدق بالفرد دون جماعة، وتارةً عن السلوكيات المرتبطة بالأفراد غير المنتمين، مثل قطع الطرق والجنون، إذ نبذ المنعوتين بذلك من قبل جماعاتهم، والنبذ كان إما سببًا او نتيجةً لخروجهم عن «النظام الاجتماعي».
كما زاد من حدة عزلة العزوبي بعض الممارسات الدينية من قبل بعض الملتزمين في فترة ماضية. ففي ظل رغبتهم بتنظيم السلوك العام، قيّد هؤلاء حركة العزاب في المرافق العامة والأسواق وأماكن العمل، إما بمنعهم الكلّي أو فصلهم عن العائلات، باعتبارهم «دشيرًا» يُحتمل تجاوزهم للقواعد والآداب.
أسهم ما سبق من عوامل اجتماعية وثقافية، بدرجات متفاوته، في عزل العزوبي عن مجتمعه، وحالت بينه وبين اندماجه في المساحات المشتركة، ويصعب أن يعد الفرد منتميًا للجماعة حين يستبعد من مساحاتها، ويعزل في فضاءات اقتصادية واجتماعية هامشية.
اللافت أن حالة العزوبية رغم استمرارها في وجودها الطبيعي مثل باقي المجتمعات، غابت عن الحديث العام. ربما أن ذلك لكون العوامل التي شكّلت الهالة السلبية حول العزّابي ونمط معيشته بدأت بالإنحسار، أو على الأقل خف تأثيرها.
على مدى السنوات الماضية، شهدنا سياساتٍ رمت إلى الحد من الممارسات المحسوبة على فترة الصحوة والإرث الأبوي عمومًا، وتقليل تأثيرها في المجال العام. اليوم، يوجد خطاب واسع يعتبر الاختلاط طبيعيًا، ويختار البعض العزوبية طوعًا، بعكس السابق حينما كانت أسلوب حياة كامل يجبر عليه الشاب.
العزوبية لم تكن المشكلة بحد ذاتها، إنما جاء تعقيدها من تركيبة اجتماعية وثقافية تشكلت أثناء مرحلة تحوّل للمجتمع ومؤسساته، واستقت كثيرًا من مخاوفنا وأفكار شكلتها سياقات متشابكة، تركت لنا حالة وقصة جميعنا نشترك فيها، لأننا كلنا «عزّاب» في مرحلة ما من حياتنا.