وين موقع الأدب الشعبي منّا؟ لفترة طويلة من تاريخ الجزيرة العربية، سادت الأمية بين أغلب فئات المجتمع. في ظل ذلك، تشكلت ثقافة عامية شفوية، اعتمدت على اللغة المحكية وتداول المعرفة والمعنى شفهيًا، وجسّدت الإنتاج الثقافي والأدبي للمجتمع في لغة شعبية يفهمها الناس. انعكس هذا الإرث على ثقافتنا الشعبية المعاصرة، إذ ما زال إنتاجها يتداول بكثافة رغم انحسار الأمية وانتشار التعليم.
في الثمانينات، كان الصراع الإعلامي والأكاديمي السعودي حول جدوى الاهتمام بالأدب الشعبي في قمته، حتى غزى الساحات الشعبية. وحصل في مهرجان الجنادرية للعام ١٩٨٥ مناظرة حادة بين أبرز أطرافه، وهم الدكتور سعد الصويان والدكتور مرزوق بن تنباك.
في ربيع العام ١٩٨٥، أقيم المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) للمرة الأولى، وكان الحضور الكبير سمةً واضحة طوال أيامه. في إحداها، تربّع الزوار حول مساحة واسعة ومكشوفة مخصصة للعروض الشعريّة والفلكلورية المباشرة.
لكن على غير المتوقع، توسطّت هذه المساحة طاولة خشبية صغيرة، خلفها ثلاثة من الأكاديميين المختصّين بـ«الثقافة»، يتجادلون حول أهمية التعاطي مع الأدب الشعبي من عدمها. كانت دكتوراه الصويان في الشعر النبطي مثارًا لهذه النقاشات، إذ تساءل العديد من بينهم بن تنباك، عن القيمة الحضارية المرجّوة من إنفاق الوقت والمال على العاميّ، باعتباره مرتبطًا بالأمية ومهددًا للفصحى.
يلتف حولهم الجمهور والشعراء جلوسًا على الأرض التي تغطيها الزوليات الحمراء، يتناولون الدخّان والشاهي والفصفص، ولا تستطيع الجزم إن كانوا مهتمين بالمناظرة فعلًا، أم يملون بها وقتهم حتى تأتي غايتهم الأساسية من الحضور.. إذ سيقوم كبار شعراء المحاورة/القلطة للعب بعد انتهائها.
موقف مرزوق بن تنباك: النقطة المركزية في اعتراضه على الإهتمام بالأدب الشعبي هي تهديده للعربية الفصحى، وأنه لا جدوى معرفية وثقافية من الاهتمام — الذي يراه مبالغًا — به. يرى مرزوق أن مخالطة الشعبي للفصيح في مواضع يجب أن تترفع عنه، مثل الصحافة والتلفزيون والتعليم، تتجاوز دواعيها الذوقية والمعرفية وتذهب لأن تؤسس «فكرًا عاميًا» لا قيمة حقيقية له.
كما يقف ضد النظرة للأدب الجاهلي بأنه أدبٌ شعبي في زمانه، لأنه يتيح للأدب الشعبي اليوم بأن يحتل محلّها. ويدّعي أنّ الإهتمام بالمجال العامي والشعبي ذو جذور استشراقية؛ ما يعني أنه منافٍ للسردية العربية ويقوّضها من خلال ترويج «منتجاتها الرديئة».
موقف سعد الصويان: عُرف بدراسته للشعر الشعبي وطرحه لدواعي الاعتناء به، واتهم بدعوته للعامية جرّاء ذلك. لكن يوضّح أن الدعوة هي لدراسته أكاديميًا، لما يحمله من دلالات للمعاني والرموز والحياة اليومية للبادية، ومصدرًا تاريخيًا في ظل ندرة المكتوب والاعتماد على الشفاهة. ويرى فرقًا بينها وبين الدعوة للعامية في التخاطب والكتابة غير الأدبية.
يفرد فصلًا من كتابه «الصحراء العربية» في العمل الميداني وجمع المأثور الشفهي لدى العرب، رادًا على دعوى مرزوق بأن الإهتمام بالشعبي واستفادة الأكاديمي منه أساسها غربي استعماري. وفي ذات الكتاب يبيّن عمليًا حجم القيمة التاريخية والمعرفية الهائلة للأدب الشعبي حين يستخرج من مروياته تصورات عدة عن المجتمعات البدوية والأميّة.
نظرة نقدية: ينطلق مرزوق من نظرة متعالية على ماهو شعبي وعامي، ويعتبرهم نتاجًا أميًا وبدويًا لا واقعًا لغويًا. اكتفى بطرحٍ شبيه بقول: «لا تدرسوا الفيزياء لأننا سنهمل الرياضيات». وصحيح أن موقف الصويان متقدم حينها، وأسفر عن نتاج ضخم لا مثيل له، إلّا أن ما أستجد من حراك تجديدي في الشعر النبطي يحتاج لمنظور جديد.
الشعر النبطي لدى الصويان تراث يحدّه الواقع اليومي، وتعامل معه من الخارج باعتباره موضوعًا للدراسة، وليس صوتًا يقدر على التعبير عن منتجيه ومتلقيه دون وساطة. ذلك يجعله وثيقة تاريخية نستخرج منها الرموز والدلالات، ويمنعنا من رؤيته مُنتِجًا لها؛ أي ليس فعلًا حيًّا يمتزج مع الاجتماعي ويقدم له المعنى كما يتلقاه. وهذا الحصر، يجعله يتفق مع بن تنباك ضمنيًا.
ما البديل اذًا؟ يصعب فهم الشعر النبطي الحديث في ضوء أطروحات الصويان ومرزوق، وحتى ضمن النظرة الأكاديمية الحالية للثقافة الشعبية. فمنذ التسعينات حتى العقد الأول من الألفية، أضحى الشعر النبطي ممارسة ثقافية يومية لدى الكثير من الشباب، احتوتها الصحف والمجلات الشعرية وبلغت ذروتها في المنتديات الرقمية.
هذا التحوّل في القصيدة النبطية يخرجها من نطاق التراث والبداوة، إذ لا تأتي للتحدث عن الماضي، إنما استجدت لتناقش الواقع اليومي. وأصبح لها دور إبداعي تعبّر به عن تصوّرها للمدن، وصراعات الشرق الأوسط، والممارسات الاجتماعية، والوضع الديني، بلغة أستجدت وبنمط معرفي وثقافي مختلف عن سياقها السابق، ما يجعلنا ننظر لها إرثًا متجددًا تفاعل وتكيّف مع المدنية والحداثة.
مقاربة «الناي والراعي»: نقوم بقراءة الأدب الشعبي من الداخل عبر تفكيك الخطابات الاجتماعية والثقافية وتحليلها، ومعالجة المواضيع الشعرية من خلال ملاحظة التقاطعات والمفاهيم التي استجدت في واقعنا المعاصر. نعتبر الشعر النبطي نتاج فني وجنس أدبي ناضج مختلف عن إرثه القديم. ولنقدم ما سبق، نأتي بمقاربة تجمع بين أنثروبولوجيا الحياة اليومية، والتاريخ من أسفل، ونقض الاستعمار المعرفي.
في ذات الليلة، قام رشيد الزلامي للعب مع صيّاف، في محاورة تناولت جدل المتناظرين، وقال: