لا تشير الـ«ما بعد» بأي حالٍ من الأحوال إلى القطيعة مع المرحلة أو تجاوزها نحو أفقٍ جديد، بل هي عودة نقدية تُسائِلها عن الواقع الحالي الذي اقحمتنا فيه؛ عودة لتمشيط إرثها بشكلٍ عكسي يظهر ملامح الضمور والقصور، ويفكك بنية ما يأتي بعد «ما بعد».. نحو فهم مآلاته وزعزعة مركزيته.
ما بعد الاستعمار، ما بعد الحداثة، ما بعد القومية… ولذلك، ما بعد الصويان تعني حاجة إرث سعد الصويان إلى قراءة عكسية تظهر اختلالاته، من خلال نقد أفكاره المركزية وفهم انعكاساتها، بدلًا من تكديسه في إطارٍ مقدّس ننطلق منه نحو أنثروبولوجيا مبنية كليًا عليه؛ الأمر الذي إن لم نعي خطورته، فسنعمّق من أزمة الأنثروبولوجيا السعودية بأيدينا.
دائمًا ما نعود إلى كتاب «الشعر النبطي» بوصفه سفرًا يحكي قصة القصيدة النبطية، بيد أن هذا النموذج تجاوزته التحولات المعاصرة التي نقلت القصيدة من فضاء البداوة والشفاهية إلى المدنية والكتابة، فضلًا عن تقديمه قراءة ناقصة ومبتورة للشعر القديم ذاته الذي اعتنى بدراسته.
حقّب الصويان الشعر النبطي في سلسلة تطورية، تنمو فيها القصيدة تدريجيًا من البساطة حتى التعقيد؛ حيث جعل «حقبة التجديد» محطة سابعة تظهر في السبعينات الميلادية، ليغفل بذلك عن تجارب تجديدية مبكرة لدى محمد بن لعبون، والهزّاني، ومحمد القاضي وغيرهم، ممن ينتمون زمنيًا لنهايات «الحقبة الغريرية» وبدايات «حقبة الرياض» (١٧٨٥م–١٨٦٥م)، وهي المصنفة لديه على أنها حقب كلاسيكية وتقليدية!1
ليش الصويان سوا كذا؟! لأن هذا التحقيب صمم حصرًا لملائمة فرضية الصويان الكبرى: «الشعر النبطي سليل الشعر الجاهلي»، مقصيًا للعديد من التجارب النبطية التي لا تخدمها بوضوح، ومانعًا من رؤية الشعر خارج إطار البداوة والشفوية. فضلًا عن كونه انعكاسًا لتبنيه الاتجاه التطوري في الأنثروبولوجيا، الذي يحاول تفسير الثقافة من خلال التطور البيولوجي، ورسم خطوط تطورية جاهزة تزيح أي نموذج ثقافي مغاير باعتباره استثناءً.
ذلك يكشف عن قراءة مجتزأة لا تستوعب رحابة الشعر النبطي وتعدد فضاءاته. لم يعكس الصويان تلك التجارب التجديدية على تحقيبه، ولم تدفعه لمراجعة طبيعة كل حقبة، فاحتفظت بعض الحقب بـ«كلاسيكيتها»، رغم تنوع تجاربها ووجود حراك شعري من نوع مختلف. وبالتالي، أي استخدام لمشروعه في فهم الشعر النبطي قد يعاني من قصور كبير، ويعيد تدوير ذات الاختلالات ويهمل ما أهمله بالفعل.
دعوة لما بعد الصويان.. بس عشان تحقيب خاطئ؟ لا يعد ذلك هامشيًا، فهذا التحقيب يمثل البناء التاريخاني لدراسته، وإسقاطه لنماذج مهمة يشوّه تصوراتنا المعرفية عن الشعر النبطي، وخصوصًا أن المشروع يعتني بكيف يكشف هذا الأدب عن وجهنا الثقافي والاجتماعي. يعني: فهم قاصر للشعر = فهم قاصر للمجتمع المقروء من خلاله.
والواقع أن هذا التحقيب ليس إلا مأزقًا يكشف عن اختلالات بنيوية ومنهجية كامنة في عمق مشروع الصويان، خلّفت هذا المأزق وراءها مثلما خلّفت غيره. تجعل هذا الإرث لا ينطبق سوى على نماذج محددة، حينما كنا نظنّه يعكس جوهر الشعر النبطي وماهيته لا مجرد جانب منه. ما يفتح أفقًا للتساؤل: ماهي الثغرات الأخرى الكامنة في هذا الإرث؟ وماهي المشاكل البنيوية التي شكّلت مشروعه وأثرت في نتائجه؟
والأهم في هذه الدعوة: نلتفت لدراسة اللي ما درسه الصويان! ومن هنا، يأتي الناي والراعي مشروعًا أنثروبولوجيًا يسعى لتقديم منظور جديد للثقافة الشعبية وخطاباتها، والإسهام في تشكيل حراك أنثروبولوجي محلّي ومعاصر يتفاعل مع واقعه الثقافي. لأنه لا يعتقد أن أحدًا أراحه من عبء دراسة ثقافته ومجتمعه: يتجه نحو ما أهمل، ويعود لما سبق تقديمه.
الحواشي
-
نحيل إلى منشورنا (محمد بن لعبون: لمحة من تاريخ العبث والتجريب في الشعر النبطي)، ففيه نقرأ جزءًا مما أغفله الصويان حين اختزل ابن لعبون وغيره من الشعراء في خانة «الاستثناء» لمجرد أنهم أتقنوا الكتابة، بيد أن المنشور يوضح ارتباط الجديد بحراك اجتماعي وثقافي أوسع. ↩