N/R · ٠٤
البث متصل

← سجل الإشارات NWR-٠١٠

غلاف المصدر / إطار كامل غلاف المقال من إنستغرام الناي والراعي

ليه منظور الحياة اليومية مهم؟

نحو قراءة يومية لدراسة الحيوات الثقافية

الصوت
تركي الزهراني
التاريخ
٧ فبراير ٢٠٢٦
الإصدار
أرشيف

غالبًا ما كانت الانتفاضات الكبرى مآلها الفشل والهزيمة، وما تلبث أن تنتهي إلى مذابح، نتيجة ما اتسمت به من ارتباك وضعف في التنظيم. في المقابل، كانت النضالات الصامتة والمتأنية، التي واصلتها المجتمعات الريفية بإصرار عبر الزمن، أقدر على إحداث تحوّلات أعمق وأبقى من تلك الاندفاعات السريعة.

— مارك بلوخ، الخصائص الأصلية للتاريخ الريفي الفرنسي


تشكّل التفاصيل اليومية جزءًا أساسيًا من حياتنا الاجتماعية والثقافية؛ فهي ليست حالة استثنائية إنما وضع مستمر نعيشه ونبني عليه فهمنا للعالم. نحن نمارس حياتنا من خلال تفاصيل صغيرة ومتكررة مثل الأكل، والشوارع، والمقاهي، والأغاني، والعمل. وحتى المفاهيم الكبرى مثل الحداثة، تتجلى في هذه التفاصيل اليومية التي تعيد تفسيرها بطريقة أخرى.. طريقة تلائمنا.

ومع ذلك، خمن ماحدث؟ حيدت هذه التفاصيل من قبل منظّري العلوم الاجتماعية، وفي المقابل، سلّطوا الضوء على المؤسسات الكبرى والرسمية، والأحداث المفصلية، والنخب، ومن هم في «أعلى الهرم الاجتماعي»، باعتبارهم الفاعل الأساسي في التاريخ، ومُنتجي الثقافة، ومحدّدي الحياة الاجتماعية.

مؤخرًا، أعيد الاعتبار لحياتنا اليومية، وأصبح لدينا «منظور يومي» لفهم المجتمع والثقافة، ويركز على دور الممارسات اليومية في رسم المشهد الاجتماعي. هذا المنظور، نستند عليه لفهم الشعر النبطي الحداثي، الذي نرى أنه يمارس في الحياة اليومية ويستمد تصوراته منها، ويعيد التعبير عنها بلغة جديدة.


يومي، عادي، وروتيني: أهملت هذه الأبعاد حتى وجدنا بين أيدينا تصورات تبلورت من الأعلى، غير مستوعبة لكيفية عيش الناس لحيواتهم الثقافية والاجتماعية والسياسية بشكل طبيعي، فضلًا عن كيف قاموا بتغييرها.

يخبرنا المنظور اليومي عن كيف تتوزع القوة والهوية والذاكرة داخل المجتمع وبين أفراده. يُبرِز التلاقي الواقعي والتفاعل المباشر بين الناس والأنظمة الاجتماعية التي تحكمهم، ويوضّح غير المذكور في السردية الرسمية، وكيفية عمل الشبكات والعلاقات الاجتماعية، وتفاصيلها الدقيقة، وأجزائها الروتينية التي لا تذكر لكنها تعمل على تثبيتها.


يجمع اليومي هذه التفاصيل الدقيقة والروتينية، حتى يكوّن لنا صورة للمشهد الاجتماعي والثقافي الأوسع، الذي يضم، مثلًا، كلًا من المؤسسة الصحية الرسمية، والطب الشعبي، والطقوس الروحانية، وحتى المعرفة المتوارثة بين العائلات، لتكوين تصور عادل عن تصورات (الصحة ورعاية الجسد) في مجتمعنا.

وتبلور «اليومي» في مزيجٍ معقد مع مناهج «من أسفل إلى أعلى» و«الميكرو» و«الهامشي والمهمّش»1. فالأحداث المحورية التي كنا نركز عليها سابقًا لم تنشأ من الأعلى فقط، إنما تنشأ وتعمل وتتغير من الأسفل عبر تفاعل الناس العاديين معها في المعيشة اليومية، وما أسقط من التدوين الرسمي لسببٍ ما، سنجده في اليومي والمعتاد، المنفذ الذي يعيش به الهامشي تهميشه.


ونستطيع أن نلاحظ أن القصيدة النبطية الحديثة تعيش في الحياة اليومية وتصاغ بها، فهي وسيلة الناس العاديين في إنتاج الرموز والمعاني وبناء ذاكرتهم الثقافية، ويتفاعلون بها مع مشهدهم الثقافي والاجتماعي. تتعاطى مع اليومي ولا تتكئ عليه فقط، منفكةً بذلك عن تراثيتها وجمودها.

بذلك يُبرِز المعاش اليومي الشعر النبطي واقعًا ونمطًا للتفكير لا مناص منه، وفاعلًا ثقافيًا واجتماعيًا لم يتراجع دوره رغم التحضّر والتحديث، إنما تكيّف وتغيّر معها.


قد ايش احبك؟ تسألي: قد ايش؟ واقول: اقلّك لما نتواجه قد القلق في نقطة التفتيش لو نبّشوني او لقوا حاجة قد انتصاب اللي طلع له ريش واصبح غني والناس محتاجه قد احتقار القصر للدرويش وقد افتخار البحر بأمواجه قد السواد، الذنب، قد الطيش في طبع مزيونة ودوّاجة انا ارتباطي بك كلقمة عيش طعمك قرف.. لكني احتاجه

— عبدالله عطية الزهراني

تشتبك قصيدة الحب هذه مع واقعها، لتغدو معبرة عن تصورات متعددة لدى الشباب في المدن والمناطق الحضرية، حول السلطة، والطبقة الاجتماعية، والنساء، وتستعين بالسخرية لتفكيك ذلك الواقع. تنطلق من الحياة اليومية وإليها، وتكشف تقاطعات تشرح الحيوات الثقافية بوضوح يفوق ما تتيحه القوالب الجامدة والنخبوية.


كتب هذا النص استلهامًا من: جيمس سكوت، أنثروبولوجي وعالم سياسة، درس أشكال المقاومة اليومية غير المباشرة لدى الفئات المهمشة، وتشمل ممارسات مثل التظاهر بالجهل، والسخرية، باعتبارها وسائلًا خفية لتجنب المواجهة العلنية.

إدوارد سعيد، مفكّر ومن مؤسسي دراسات ما بعد الاستعمار، ركز على أن الثقافة ساحة صراع تتشكل داخل الفضاءات اليومية، مُبيّناً أن أكبر القضايا مثل العبودية والظلم الاستعماري، ترتبط مباشرةً مع خطابنا اليومي المعتاد.

ميشيل فوكو، فيلسوف ومؤرخ أفكار، ركز على كيفية تغلغل السلطة في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال مراقبة الجسد وتشكيل السلوك داخل مؤسسات تبدو طبيعية مثل المدرسة والمستشفى، لإنتاج أنماط من الانضباط الذاتي لدى الناس.

الحواشي

  1. «من أسفل إلى أعلى» زاوية تحليل تعيد الحياة الاجتماعية إلى الناس العاديين، تحكي أدوار جماعات مثل العمّال والمزارعين والفقراء (الأسفل) في صياغة السياسات والتاريخ. ويشترك معها «الميكرو»، وهو زاوية تركز على وحدات صغيرة جدًا (قرى، مجموعات صغيرة، أفراد). أما «الهامشي والمهمّش» فبدأ بدراسة الشعوب الواقعة تحت الاستعمار، ثم انتقل لفهم كل الأصوات التي همشت أو أسكتت.

إشارة ختامية

ما كان المنظور اليومي مهملًا عشانه يستكشف أمور شاذة أو غير معتادة، إنما العكس، هو يبحث عن أشياء ظاهرة أمامنا وفي لغتنا اليومية، لكن من شدة ما اعتدناها صرنا ما نلاحظها. اسأل نفسك: هل اللي تسويه انت وزملائك يوميًا في دوامك هو نفس المنصوص في سياسات وانظمة الجهة؟ مؤخرًا، «الحياة اليومية» منظور معترف فيه في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، ونعتمده في مشروعنا لفهم الشعر النبطي الحداثي. ونستعرض في (عدسة) الأسس المنهجية والنظرية لمشروعنا، عبر نصوص تبسّط المقاربات والأدوات المعتمدة في إنتاج محتوانا البحثي والنقدي.

٠٥

فريق الإشارة

كتابة
تركي الزهراني
استشارة معرفية
هيثم الثبيتي
إلقاء
ناصر الحربي
صور
ضاري الشمري
تصميم
عبدالله العلوني